مركز الثقافة والمعارف القرآنية
138
علوم القرآن عند المفسرين
محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية والحفظ ، نظير قولك : « في الصيف ضيعت اللبن » لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل ، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرأة اللبن في الصيف لا ينطبق شيء منه على المورد ، وهو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله . كذلك أمر التأويل ، فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص القرآنية ، وإن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية ، إلّا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشي منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة ، كما أن قول السيد لخادمه ، اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الانسانية لكمالها ، فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء ، وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن ، وهو يقتضي الغذاء اللازم ، وهو يقتضي الري ، وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلا ، فتأويل قوله : اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الانسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه ، ولو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخر يباين الأول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر ، وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية - على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم - إنما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم ؛ وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية ومكانية ، وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه ، وتكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته ، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه ، لكنها محكية مضمّنة محفوظة بالفعل أو الترك ، ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتى به من الفعل أو الترك . فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة ، ولذلك ترى أنه تعالى في قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ